| |
توفيق بوعشرين:
الطلبة الذين تحلقوا حول ولي
العهد سيدي محمد في الصورة الشهيرة لتلاميذ المعهد الملكي، بدؤوا يتفرقون من حوله، وكان عالي الهمة مدير ديوانه ووزير داخليته آخر من خرجوا من المربع الذهبي المحيط بالملك محمد السادس. وقبل الهمة، خرج حسن أوريد «مثقف» المجموعة من منصب الناطق الرسمي باسم القصر وواحد من المستشارين، إلى والي على جهة مكناس- الحاجب- الراشيدية.
وقبل الهمة وأوريد، كان رشدي الشرايبي أول من سقط في بركة الغضب الملكي. كان مدير ديوان الملك عضوا في اللجنة الاستشارية الملكية لتعديل المدونة، وزلت قدماه في قصة غريبة انتهت به إلى عقد قرانه على زوجة ثانية... غضب منه الملك وطرده من «قبة» البلاط لمدة أشهر، وبعد أن تشفع له عديدون منهم الجنيرال القوي آنذاك حميدو لعنيكري، رجع إلى مهامه ولم يرجع له اللقب الذي فقده في رحلة البحث عن «زينة الدنيا».
قبل إقالة الهمة، كان الملك الذي عرف بسرعة غضبه، قد أنزل عقوبة الإبعاد على كاتبه الخاص وحارس ثروته منير الماجيدي، الذي مد يده إلى أراضي الأحباس بثمن بخس وجر عليه موجة من الانتقادات في الصحافة والإعلام انتهت به مغضوبا عليه في عطلة بجزر «الباهاماس».
ليس رفاق الملك في الدراسة وحدهم من خضعوا لقانون القرب والبعد، بل إن المستشارين المخضرمين الذين اشتغلوا مع والده الحسن الثاني، هؤلاء أيضا ورغم تقدم سن بعضهم، نالهم حقهم من العقاب..
المستشار اليهودي أندري أزولاي الذي كان له مكان بارز في صفوف مستشاري الملك الراحل، تم تهميش دوره، وغاب عن الأنظار في السنوات الأولى لمجيء الملك إلى عرش أسلافه العلويين، إلى درجة أن كواليس صالونات الرباط وفيلات السويسي وبيرقاسم، كانت تتناقل انتقادات لاذعة للمستشار أزولاي في أسلوب إدارة العهد الجديد للحكم، وكان أقوى نقد سمع في كواليس النخبة السياسية قول أزولاي: «المغرب لم يعد له عمود فقري...». وصل هذا الكلام إلى مسامع الأبواب المغلقة في القصر، وسواء أكان هذا التصريح صحيحا أم مبالغا فيه، فإن أزولاي خرج تدريجيا من هرم السلطة إلى جانب العرش، وكانت الضربة شبه القاضية التي تلقاها أزولاي وهو في عقده السابع، أن أزيح عن رئاسة مهرجان مراكش للسينما، المهرجان الذي رعاه بنفسه وسخر له شبكة علاقاته مع مخرجي هوليوود اليهود والمسيحيين... لم يعرف أحد الأسباب الكامنة وراء هذه الإقالة وإن كان المقربون من أزولاي قد فهموا الرسالة...
أما المستشار القانوني ابن مدينة سطات محمد معتصم فإن غضب الملك عليه كاد أن يعصف بمساره في الحياة. لقد أدخل الرجل إلى مصحة للعلاج النفسي عقب انهيار سيكولوجي حاد، كان نتيجة صدمة تلقي غضب الملك محمد السادس، ومرة أخرى لم يعرف إلا القليلون أسباب هذا الغضب ودواعي هذا الخطأ الذي ارتكبه منظر المخزن القانوني وكاتب خطابات العرش...
الغضب الملكي طال أيضا العسكريين، وكان في مقدمتهم الجنيرال دو كوردارمي عبد الحق القادري الذي كان صديقا للملك الحسن الثاني، والذي أقيل في البداية من جهاز المخابرات العسكرية، ثم أحيل على تقاعد غير معلن من مفتشية الجيش...
ثم لحق به الجينرال الريفي محمد الحرشي الذي خلف القادري مدة قصيرة على رأس جهاز المخابرات. وقرأ الكثيرون في خروجه غاضبا من القصر دلالات عدة..
ثم توالت عجلة الصعود والهبوط، وقبل سنة صعد إلى الواجهة قرار عزل الجينرال حميدو لعنيكري من مديرية الأمن ومن الإشراف على أخطر ملف يقلق راحة المملكة، ملف الإرهاب. لقد عزل لعنيكري في أعقاب سقوط مدير أمن القصور عبد العزيز إيزو في ملف تجارة المخدرات وحماية بارونات هذه التجارة في الشمال. «مازالت أطوار محاكمة الكومسير إيزو جارية إلى اليوم»؛ لقد كان الحدث الأكبر سنة 2006 هو سقوط لعنيكري الذي كان يلقب بالشرطي الأول للمملكة والخبير الدولي في مكافحة الإرهاب والتطرف الإسلامي.. كان غضب الملك أكبر من منصب لعنيكري وأكبر من الحاجة إليه، ورغم أن الملك لم يطرده من رحاب السلطة بالمطلق فقد كلفه بالإشراف على القوات المساعدة..
إن مسار الصعود والنزول تحكمت فيه اعتبارات عدة نوجزها في التالي:
- أولا: وضع الملك محمد السادس قاعدة ثانية تقول ألا أحد من المقربين إليه محصن من العزل أو بعيد عن الغضب أو يمكنه الإفلات من القانون الرحيم للملك، العزل من المنصب دون محاكمة والخروج من مكتب ودخول آخر...
- ثانيا: المخزن لا يطرد خدامه، يعاقبهم، يغضب عليهم، يحرمهم من الثروة والجاه مؤقتا، لكنه لا يفرط فيهم. إنه منطق الدولة ومصالحها، من يدخل إلى دار المخزن لا يخرج.. هذه قاعدة اشتغل بها الملك الراحل الحسن الثاني ومازال ابنه يعمل بها. لقد غضب الملك على مستشاره المقرب الداهية رضى اكديرة أكثر من مرة، لكنه «صفح» عنه وأرجعه إلى جانبه، وغضب على القانوني ادريس السلاوي في أكثر من مناسبة، لكنه رجع و«عفا» عنه. الاستثناء الوحيد كان هو عبد الهادي بوطالب الذي غضب عليه الملك الراحل في أواخر حياته نتيجة مرضه وبسبب دسائس القصور، كما أطلق عليها...
- ثالثا: النظام المغربي في صورته الحالية لم يصل إلى درجة الاعتماد على المؤسسات بدل الأشخاص.. مازال هؤلاء يلعبون دورا كبيرا في إدارة الدولة واتخاذ القرارات وربط الاتصال بالملك كسلطة مركزية للحكم. وما دام النظام «شخصانيا» وليس «مؤسساتيا»، فإنه سيبقى رهينا «للرجل القوي»، وظاهرة الرجل القوي تخلق إشكالية التحكم في نفوذها، من جهة، وإشكالية تعايشها مع خطاب الديمقراطية والإصلاح، من جهة أخرى؛ لكنها ضرورية مادامت الملكية تبسط نفوذها على كل مظاهر الحياة والنشاط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والاجتماعي.. وهنا المأزق أو ما يعرف بالـ«شر (الذي) لابد منه»..
وقبل الهمة وأوريد، كان رشدي الشرايبي أول من سقط في بركة الغضب الملكي. كان مدير ديوان الملك عضوا في اللجنة الاستشارية الملكية لتعديل المدونة، وزلت قدماه في قصة غريبة انتهت به إلى عقد قرانه على زوجة ثانية... غضب منه الملك وطرده من «قبة» البلاط لمدة أشهر، وبعد أن تشفع له عديدون منهم الجنيرال القوي آنذاك حميدو لعنيكري، رجع إلى مهامه ولم يرجع له اللقب الذي فقده في رحلة البحث عن «زينة الدنيا».
قبل إقالة الهمة، كان الملك الذي عرف بسرعة غضبه، قد أنزل عقوبة الإبعاد على كاتبه الخاص وحارس ثروته منير الماجيدي، الذي مد يده إلى أراضي الأحباس بثمن بخس وجر عليه موجة من الانتقادات في الصحافة والإعلام انتهت به مغضوبا عليه في عطلة بجزر «الباهاماس».
ليس رفاق الملك في الدراسة وحدهم من خضعوا لقانون القرب والبعد، بل إن المستشارين المخضرمين الذين اشتغلوا مع والده الحسن الثاني، هؤلاء أيضا ورغم تقدم سن بعضهم، نالهم حقهم من العقاب..
المستشار اليهودي أندري أزولاي الذي كان له مكان بارز في صفوف مستشاري الملك الراحل، تم تهميش دوره، وغاب عن الأنظار في السنوات الأولى لمجيء الملك إلى عرش أسلافه العلويين، إلى درجة أن كواليس صالونات الرباط وفيلات السويسي وبيرقاسم، كانت تتناقل انتقادات لاذعة للمستشار أزولاي في أسلوب إدارة العهد الجديد للحكم، وكان أقوى نقد سمع في كواليس النخبة السياسية قول أزولاي: «المغرب لم يعد له عمود فقري...». وصل هذا الكلام إلى مسامع الأبواب المغلقة في القصر، وسواء أكان هذا التصريح صحيحا أم مبالغا فيه، فإن أزولاي خرج تدريجيا من هرم السلطة إلى جانب العرش، وكانت الضربة شبه القاضية التي تلقاها أزولاي وهو في عقده السابع، أن أزيح عن رئاسة مهرجان مراكش للسينما، المهرجان الذي رعاه بنفسه وسخر له شبكة علاقاته مع مخرجي هوليوود اليهود والمسيحيين... لم يعرف أحد الأسباب الكامنة وراء هذه الإقالة وإن كان المقربون من أزولاي قد فهموا الرسالة...
أما المستشار القانوني ابن مدينة سطات محمد معتصم فإن غضب الملك عليه كاد أن يعصف بمساره في الحياة. لقد أدخل الرجل إلى مصحة للعلاج النفسي عقب انهيار سيكولوجي حاد، كان نتيجة صدمة تلقي غضب الملك محمد السادس، ومرة أخرى لم يعرف إلا القليلون أسباب هذا الغضب ودواعي هذا الخطأ الذي ارتكبه منظر المخزن القانوني وكاتب خطابات العرش...
الغضب الملكي طال أيضا العسكريين، وكان في مقدمتهم الجنيرال دو كوردارمي عبد الحق القادري الذي كان صديقا للملك الحسن الثاني، والذي أقيل في البداية من جهاز المخابرات العسكرية، ثم أحيل على تقاعد غير معلن من مفتشية الجيش...
ثم لحق به الجينرال الريفي محمد الحرشي الذي خلف القادري مدة قصيرة على رأس جهاز المخابرات. وقرأ الكثيرون في خروجه غاضبا من القصر دلالات عدة..
ثم توالت عجلة الصعود والهبوط، وقبل سنة صعد إلى الواجهة قرار عزل الجينرال حميدو لعنيكري من مديرية الأمن ومن الإشراف على أخطر ملف يقلق راحة المملكة، ملف الإرهاب. لقد عزل لعنيكري في أعقاب سقوط مدير أمن القصور عبد العزيز إيزو في ملف تجارة المخدرات وحماية بارونات هذه التجارة في الشمال. «مازالت أطوار محاكمة الكومسير إيزو جارية إلى اليوم»؛ لقد كان الحدث الأكبر سنة 2006 هو سقوط لعنيكري الذي كان يلقب بالشرطي الأول للمملكة والخبير الدولي في مكافحة الإرهاب والتطرف الإسلامي.. كان غضب الملك أكبر من منصب لعنيكري وأكبر من الحاجة إليه، ورغم أن الملك لم يطرده من رحاب السلطة بالمطلق فقد كلفه بالإشراف على القوات المساعدة..
إن مسار الصعود والنزول تحكمت فيه اعتبارات عدة نوجزها في التالي:
- أولا: وضع الملك محمد السادس قاعدة ثانية تقول ألا أحد من المقربين إليه محصن من العزل أو بعيد عن الغضب أو يمكنه الإفلات من القانون الرحيم للملك، العزل من المنصب دون محاكمة والخروج من مكتب ودخول آخر...
- ثانيا: المخزن لا يطرد خدامه، يعاقبهم، يغضب عليهم، يحرمهم من الثروة والجاه مؤقتا، لكنه لا يفرط فيهم. إنه منطق الدولة ومصالحها، من يدخل إلى دار المخزن لا يخرج.. هذه قاعدة اشتغل بها الملك الراحل الحسن الثاني ومازال ابنه يعمل بها. لقد غضب الملك على مستشاره المقرب الداهية رضى اكديرة أكثر من مرة، لكنه «صفح» عنه وأرجعه إلى جانبه، وغضب على القانوني ادريس السلاوي في أكثر من مناسبة، لكنه رجع و«عفا» عنه. الاستثناء الوحيد كان هو عبد الهادي بوطالب الذي غضب عليه الملك الراحل في أواخر حياته نتيجة مرضه وبسبب دسائس القصور، كما أطلق عليها...
- ثالثا: النظام المغربي في صورته الحالية لم يصل إلى درجة الاعتماد على المؤسسات بدل الأشخاص.. مازال هؤلاء يلعبون دورا كبيرا في إدارة الدولة واتخاذ القرارات وربط الاتصال بالملك كسلطة مركزية للحكم. وما دام النظام «شخصانيا» وليس «مؤسساتيا»، فإنه سيبقى رهينا «للرجل القوي»، وظاهرة الرجل القوي تخلق إشكالية التحكم في نفوذها، من جهة، وإشكالية تعايشها مع خطاب الديمقراطية والإصلاح، من جهة أخرى؛ لكنها ضرورية مادامت الملكية تبسط نفوذها على كل مظاهر الحياة والنشاط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والاجتماعي.. وهنا المأزق أو ما يعرف بالـ«شر (الذي) لابد منه»..













